فخر الدين الرازي

21

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ولقائل أن يقول على هذا الوجه لا يليق بذلك القائل أن يقول : فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً بل هذا الكلام لا يليق إلا باللّه ، والأقرب في الجواب أن يقال قوله : وَلا يُكَلِّمُهُمُ أي ولا يكلمهم بالكلام الطيب النافع ، فإن تخصيص العموم غير بعيد لا سيما عند حصول القرينة ، فإن قوله : وَلا يُكَلِّمُهُمُ إنما ذكره لبيان أنه تعالى لا ينفعهم ولا يقيم لهم وزنا ، وذلك لا يحصل إلا من الكلام الطيب . السؤال الثاني : دلت هذه الآية على أنه تعالى يزيد في عذاب الكافر أبدا ، فتلك الزيادة إما أن يقال : إنها كانت مستحقة لهم أو غير مستحقة ، فإن كانت مستحقة لهم كان تركها في أول الأمر إحسانا ، والكريم إذا أسقط حق نفسه ، فإنه لا يليق به أن يسترجعه بعد ذلك ، وأما إن كانت تلك الزيادة غير مستحقة كان إيصالها إليهم ظلما وإنه لا يجوز على اللّه الجواب : كما أن الشيء يؤثر بحسب خاصية ذاته ، فكذا إذا دام ازداد تأثيره بحسب ذلك الدوام ، فلا جرم كلما كان الدوام أكثر كان الإيلام أكثر ، وأيضا فتلك الزيادة مستحقة ، وتركها في بعض الأوقات لا يوجب الإبراء والإسقاط ، واللّه علم بما أراد . واعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار أتبعه بوعد الأخيار وهو أمور : أولها : قوله تعالى : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 31 ] إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً ( 31 ) أما المتقي فقد تقدم تفسيره في مواضع كثيرة و مَفازاً يحتمل أن يكون مصدرا بمعنى فوزا وظفرا بالبغية ، ويحتمل أن يكون موضع فوز والفوز يحتمل أن يكون المراد منه فوزا بالمطلوب ، وأن يكون المراد منه فوزا بالنجاة من العذاب ، وأن يكون المراد مجموع الأمرين ، وعندي أن تفسيره بالفوز بالمطلوب أولى من تفسيره بالفوز بالنجاة من العذاب ، ومن تفسيره بالفوز بمجموع الأمرين أعني النجاة من الهلاك والوصول إلى المطلوب ، وذلك لأنه تعالى فسر المفاز بما بعده وهو قوله : حَدائِقَ وَأَعْناباً [ النبأ : 32 ] فوجب أن يكون المراد من المفاز هذا القدر . فإن قيل الخلاص من الهلاك أهم من حصول اللذة ، فلم أهمل الأهم وذكر غير الأهم ؟ قلنا : لأن الخلاص من الهلاك لا يستلزم الفوز باللذة والخير ، أما الفوز باللذة والخير فيستلزم الخلاص من الهلاك ، فكان ذكر هذا أولى . وثانيها : قوله تعالى : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 32 ] حَدائِقَ وَأَعْناباً ( 32 ) والحدائق جمع حديقة ، وهي بستان محوط عليه . من قولهم : أحدقوا به أي أحاطوا به ، والتنكير في قوله : وَأَعْناباً يدل على تعظيم حال تلك الأعناب . وثالثها : قوله تعالى : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 33 ] وَكَواعِبَ أَتْراباً ( 33 ) كواعب جمع كاعب وهي النواهد التي تكعبت ثديهن وتفلكت أي يكون الثدي في النتوء كالكعب والفلكة .